الاحتراف يضع
بصمته على سوق التكنولوجيا والاتصالات
أن
يحترف شخص عملاً محدداً ويتمكن في تنفيذه بشكل يميزه عن غيره هذا هو أولى خطوات
النجاح ليس فقط للشخص الذي احترف هذه المهنة أو العمل ولكن وجود مجموعة من
المحترفين في مجال محدد يعتبر بمثابة نجاح وتطوير لهذا المجال لقيام مجموعة من
المحترفين بالعمل فيه وينبئ أيضا باستمرارية وتنمية هذا القطاع وخلق عناصر
جديدة وكوادر لتدعيم القطاع ولعل النمو الملحوظ في قطاع تكنولوجيا المعلومات
والاتصالات في الشرق الأوسط في الأعوام العشر الأخيرة جعل المجال يجتذب إليه
العديد من الكفاءات والكوادر التي يصح أن نطلق عليها حاليا صفة محترفين في
التكنولوجيا والاتصالات.
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه حاليا هو:هل عدد المحترفين في المجال يكفى لتدعيم
تلك الصناعة وتطويرها ؟ وهل يتناسب عدد المحترفين في هذا القطاع مع معدلات
النمو ؟ والإجابة نبدأها بما طرحناه في العام السابق في نفس المطبوعة تحت عنوان
( العنصر البشرى يدق ناقوس الخطر في صناعة التكنولوجيا ) وكنا نتناقش تحت هذا
العنوان كيف يواجه هذا القطاع الندرة في العنصر البشرى والفارق الواضح بين عدد
الكفاءات والعناصر المتميزة وبين النمو السريع للقطاع وحذرنا وقتها من الدخول
في النفق المسدود والوصول إلى نقطة اكتمال المؤسسات والشركات والانتهاء من
مشروعات التكنولوجيا التي بدأت بالفعل وانتهى معظمها وبعضها يوشك على الانتهاء
ووقتها سيبدأ في رحلة البحث عن العنصر البشرى المطلوب سواء للتشغيل أو المتابعة
الدورية أو حتى إدخال البيانات وها نحن نصل إلى المرحلة التي تنبأنا بها
وكعادتنا نضع العربة أمام الحصان ونطلب من الأخير أن يجرها كيف يحدث ذلك لا
تعلم.
و نبدأ في رحلة البحث عن حلول والتي غالباً ما تستغرق وقتاً يؤدى في النهاية
إلى ضياع الوقت المكتسب في السرعة المطلوبة في تنفيذ المشروعات نفسها وخاصة في
هذا المجال المتطور وشديد الحساسية في عنصر الوقت والتزاحم الشديد و بدء تشغيل
شبكات الاتصالات و دخول لاعب ثالث في قطاع المحمول في مصر و البدء في تقديم
عروض الشبكة الثانية للثابت و غيرها العديد من الشركات الوافدة حديثاً في السوق
المصري واختيار بعض الشركات لمصر كمركز اتصال وذلك لموقعها الجغرافي المناسب
وما وصلت إليه أخيراً من تقدم في البنية التحتية في مجال الاتصالات وأصبح لدينا
العديد من مراكز الاتصالات ( call center ) للشركات العالمية كل هذه العوامل
ساعدت على سرعة ظهور المشكلة بوضوح وظهرت لأول مرة في مصر أزمة الكوادر وأصبح
خطف اللاعبين الكبار في مجال شركات تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات حديث
القطاع في صباح كل يوم وأصبحت لغة العرض المالي هي اللغة المعتمدة للحديث وخاصة
مع وجود ندرة في كوادر القطاع و الأزمة التي تعرضت لها الشركات الوافدة و عدم
خلق كوادر جديدة تتناسب مع هذا الانفتاح الكبير وتتدخل بعض الأصوات تنادى
استخدام عناصر ذات كفاءة عالية من الخارج و خاصةً الهند والتي تتمتع بوفرة
كبيرة في مجال التكنولوجيا و بالأخص في قطاع مراكز الاتصال و التي تميزت به في
الأعوام الأخيرة حتى إنها أصبحت أكثر استحواذاً لها.
ويقابل تلك الأصوات استنكار ورفض تام لاستقدام أي عمالة أو حتى خبراء من الخارج
خاصةً مع حالة البطالة المتزايدة في مصر فكيف لدولة لديها كل هذه البطالة أن
تقوم باستقدام عمالة أجنبية إذا كانت الحكومة في الأساس تبرر هذا الانفتاح
الاقتصادي و فتح المجال للاستثمارات الأجنبية من أجل القضاء على البطالة أو على
الأقل تحجيمها ولكن ما ذنب الشركات إذا كانت كل تلك الأعداد من البشر ليس لديها
أي خبرة في أي أعمال والقلة القليلة منها لديها القدرة على استيعاب البرامج
التدريبية المؤهلة والغالبية العظمى لا تقبل ذلك.
وبين الرفض والتأييد وندرة الكوادر ظهر نظام الاحتراف وبقوة حتى إنه أصبح يمثل
الصداع المزمن ويؤدى إلى حالة من عدم الاستقرار في الشركات خاصة وأن هذا المجال
يحتاج إلى استقرار المعدات لا تقل عن عامين وثلاثة نتيجة طول فترة تنفيذ بعض
المشروعات والحل الوحيد هو إغراء المال الذي زاد في بعض الحالات عن القيمة
العقلية للقائمين بالأعمال ويمثل خسارة حقيقية للشركات ولكن لا يوجد بديل ولا
توجد حلول قريبة لتلك المشكلة التي تحتاج من القائمين على هذا القطاع لوقفة
صريحة ووضع خطة وبدائل حلول مناسبة خاصة مع ضعف أنظمة التعاقد واحترام عقود
العمل الموقعة مع الشركات وأكيد في النهاية سيكون لها آثارها السلبية على
القطاع وإذا كان الاحتراف ميزة سيضع نقمة على القطاع بالكامل ولعلنا نبدأ قبل
فوات الأوان كالعادة !.
الجمعة 14 شعبان 1429 هـ - 15 أغسطس 2008 م - العدد 65 - السنة الثانية